الشيخ محمد رشيد رضا
502
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
رَبِّكُمْ » للاعلام بأنها ليست من فعله ولا مما ينالها كسبه عليه السّلام ، وكذلك سائر ما يؤيد اللّه تعالى به الرسل من خوارق العادات ، فليعتبر بذلك الجاهلون الذين يظنون أن الخوارق مما يدخل في كسب الصالحين الذين هم دون الأنبياء ، ولا سيما الذين يسمونهم الأقطاب المتصرفين في الكون ، ولو كانت كذلك لم تكن خوارق ، ولا آيات من اللّه تعالى دالة على تصديق الرسل في دعوى النبوة ، وعلى كمال اتباع من دونهم لهم فيما جاءوا به من الهداية ، إذ كسب العباد ما زال يتفاوت تفاتا عظيما بتفاوت قوى عضلهم وجوارحهم ، وقوى عقولهم وأرواحهم وعزائمهم ، وتفاوت علومهم ومعارفهم ، ولذلك اشتبهت الآيات على كثير من الناس بالسحر والشعوذة ، وما يكون في بعض الناس من التأثير لعلو الهمة وقوة الإرادة ( هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ) هذا بيان مستأنف للبينة أي هذه ناقة اللّه تعالى - أضافها إلى اسمه الكريم تعظيما لشأنها ، وقيل لأنه خلقها على خلاف سنته في خلق الإبل وصفاتها ، وقيل لأنه لم يكن لها مالك . والمعنى أشير إليها حالة كونها آية لكم خاصة لكم . وبين معنى كونها آية بقوله ( فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) ومثله في سورة الشعراء إلا أنه وصف العذاب بالعظيم فهو أليم وعظيم - وفي ( هود ) إلا أنه وصف العذاب باليب وهو أنه يقع بعد ثلاثة أيام من مسهم إياها بسوء وكذلك كان . وفي سورة القمر ( وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ) وفسره قوله تعالى في سورة الشعراء ( هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) وهو قبل الوعيد على مسها بسوء ، والشرب بكسر المعجمة ما يشرب . وفي سورة الشمس ( كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها * إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها * فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها ) الخ فدل مجموع الآيات على أن آية اللّه تعالى في الناقة أن لا يتعرض لها أحد من القوم بسوء في نفسها ، ولا في أكلها ولا في شربها ، وأن ماء ثمود قسمة بينهم وبين الناقة إذ كان ماء قليلا ، فكانوا يشربونه يوما وتشربه هي يوما ، وورد أنهم كانوا يستعيضون عنه في يومها بلبنها روي هذا عن ابن عباس وقتادة . فأما الرواية عن الأول فهي تصدق بماء معين معروف كان لشربهم خاصة إذ ذكر في سورة القمر معرفا وثبت في الحديث الآتي مرفوعا وأما الرواية عن الثاني ففيها أن الماء كان لهم ولماشيتهم وأرضهم وهو بعيد بل